عادل عبد الرحمن البدري
84
معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام
هل تعاقب من عصاك إلّا بالقتل ؟ فكيف تصنع بالله الذي لا يعاقب إلّا بأليم العذاب ، وهو يعلم منك ما أضمر قلبك وعقدت عليه جوارحك ، فماذا تقول إذا كنت بين يديه للحساب عرياناً ؟ هل يغني عنك ما كنت فيه شيئاً ؟ فبكى المنصور بكاءً شديداً وقال يا ليتني لم أخلق ولم أك شيئاً ، ثمّ قال : ما الحيلة فيما خوّلت ؟ قال : عليك بأعلام العلماء الراشدين ، قال : فرّوا منّي ، قال : فرّوا منك مخافة أن تحملهم على ظهر من طريقتك ، ولكن افتح الباب وسهّل الحجاب ، وخذ الشيء ممّا حلّ وطاب ، وانتصف للمظلوم ، وأنا ضامن عمّن هرب منك أن يعود إليك ، فيعاونك على أمرك ، فقال المنصور : اللهم وفّقني لأن أعمل بما قال هذا الرجل ، ثمّ حضر المؤذّنون وأقاموا الصلاة ، فلمّا فرغ من صلاته قال : عليّ بالرجل ، فطلبوه فلم يجدوا له أثراً ، فقيل : إنّه كان الخضر ( ع ) « 1 » . والعدالة كمعيار مهني يحدد مدى إنسانية وكفاءة أيّ جماعة سياسية ، فما لم يتحلّى الحاكم أو الرئيس أو النائب البرلماني أو حتّى ممثل الناحية والحي الشعبي ، بصفة العدالة لا يؤتمن على عمله ولا يمكنه أن يؤدّي رسالته بشكل صحيح ، وهنا تستبدّ به شهواته ونزواته ، ويتعثر في الأداء السياسي ، وتتقاذف به الرؤى والأفكار فلا يبصر شيئاً ، فالأموال والأرواح والحقوق تنتظر اليد العادلة والأمينة التي تمسك بها ، وفي هذا قال النبي ( ص ) : السلطان ظلّ الله في الأرض يأوي إليه كلّ مظلوم « 2 » . ولذا قال الصادق ( ع ) من تولّى أمراً من أمور الناس فعدل وفتح بابه ودفع شرّه ونظر في أمور الناس كان حقّاً على الله عزّوجلّ أن يؤمن روعته يوم القيامة ويدخله الجنّة « 3 » . وكانت السماء حريصة على إفهام آدم ( ع ) بأنّ العدل والإنصاف ضروري لاستمرار الحياة وإدامتها ، وفي ذلك جاءت رواية الباقر ( ع ) بأن الله تعالى أوحى إلى آدم ( ع ) : يا آدم إنّي أجمع ذلك لك الخير كلّه في أربع كلمات : واحدة منهنّ لي ، وواحدة لك ، وواحدة فيما بيني وبينك ، فأمّا التي لي فتعبدني ولا تشرك بي شيئاً وأمّا التي لك فأجازيك بعملك
--> ( 1 ) بحار الأنوار 351 : 72 . ( 2 ) بحار الأنوار 354 : 72 . ( 3 ) بحار الأنوار 340 : 72 .